محمد الغزالي

308

فقه السيرة ( الغزالي )

بكم ، فلا تقاتلوا مع القوم حتى تأخذوا منهم رهنا من أشرافهم ، يكونون بأيديكم ، ثقة لكم على أن تقاتلوا معهم محمدا حتى تناجزوه . فقالوا له : لقد أشرت بالرأي . ثم خرج حتى أتى قريشا فقال لأبي سفيان ومن معه : قد عرفتم ودّي لكم وفراقي محمدا ، وإنّه قد بلغني أمر رأيت عليّ حقا أن أبلغكموه نصحا لكم ، فاكتموا عنّي ، فقالوا : نفعل ، قال : تعلموا أنّ معشر يهود قد ندموا على ما صنعوا فيما بينهم وبين محمّد ، وقد أرسلوا إليه : إنّا قد ندمنا على ما فعلنا ، فهل يرضيك أن نأخذ لك من القبيلتين - قريش وغطفان - رجالا من أشرافهم فنعطيكهم ، فتضرب أعناقهم ؟ ثم نكون معك على من بقي منهم ، حتّى نستأصلهم ؟ فأرسل إليهم : أن نعم . فإن بعثت إليكم يهود يلتمسون منكم رهنا من رجالكم ، فلا تدفعوا إليهم منكم رجلا واحدا . ثم خرج حتى أتى غطفان ، فقال : يا معشر غطفان إنكم أصلي وعشيرتي وأحبّ الناس إليّ ، ولا أراكم تتهمونني ، قالوا : صدقت ، ما أنت عندنا بمتهم ، قال : فاكتموا عني ، قالوا : نفعل ، ثم قال لهم مثل ما قال لقريش ، وحذّرهم مثل ما حذّرهم . فلما كانت ليلة السبت من شوال سنة خمس ، كان من صنع اللّه لرسوله أن أرسل أبو سفيان ورؤوس غطفان إلى بني قريظة عكرمة بن أبي جهل في نفر من قريش وغطفان ، فقالوا لهم : إنا لسنا بدار مقام ، قد هلك الخفّ والحافر ، فاغدوا للقتال حتى نناجز محمدا ، ونفرغ مما بيننا وبينه ، فأرسلوا إليهم : أنّ اليوم يوم السبت ، وهو يوم لا نعمل فيه شيئا ، وقد كان أحدث فيه بعضنا حدثا ، فأصابه ما لم يخف عليكم ، ولسنا مع ذلك بالذين نقاتل معكم محمدا حتى تعطونا رهنا من رجالكم ، يكونون بأيدينا ثقة لنا ، حتى نناجز محمدا ، فإنا نخشى - إن ضرستكم الحرب واشتدّ عليكم القتال - أن تنشمروا إلى بلادكم ، وتتركونا والرجل في بلدنا ، ولا طاقة لنا بذلك منه . فلما رجعت إليهم الرسل بما قالت بنو قريظة ، قالت قريش وغطفان : واللّه إن الذي حدثكم نعيم بن مسعود لحقّ ، فأرسلوا إلى بني قريظة : إنا واللّه لا ندفع إليكم رجلا واحدا من رجالنا ، فإن كنتم تريدون القتال فأخرجوا فقاتلوا ، فقال بنو قريظة - حين انتهت الرسل إليهم بهذا - : إنّ الذي ذكر لكم نعيم لحق ، ما يريد